منتديات روكشا     َولَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه

الرئيسية |  التسجيل  |  مركز رفع الملفات  |  الاتصال بنا  

 



العودة   منتديات روكشا > روكشا العام > المنتدي الاسلامي

الملاحظات

المنتدي الاسلامي قسم خاص بالشأن العام الاسلامي والاداب الاسلامية على كتاب الله وسنة نبيه الكريم .قرآن كريم مواد مسموعة ومرئية . احاديث . وسنن نبوية . الصحابة وآل بيت رسول الله . وخطب وفتاوى العلماء

Like Tree1اعجابات
  • 1 موضوع بواسطة ابن الوليد

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-16-2018, 07:35 PM
الصورة الرمزية ابن الوليد

.:: ادارة المنتدي ::.

 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
الدولة: مصر
المشاركات: 1,556
معدل تقييم المستوى: 10
ابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud of
إرسال رسالة عبر MSN إلى ابن الوليد إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابن الوليد إرسال رسالة عبر Skype إلى ابن الوليد
جرس أقسام الحديث: صحيحٌ, وحسنٌ, وضعيفٌ

[الحديث] فيما قال الخطَّابي في «معالم السُّنن» وتبعهُ ابن الصَّلاح: ينقسم عند أهله على ثلاثة أقْسَام: [صحيحٌ, وحسنٌ, وضعيفٌ] لأنَّه إمَّا مقبولٌ, أو مردودٌ, والمقبول إمَّا أن يشتمل من صفات القَبُول على أعلاها أولاً, والأول: الصَّحيح, والثاني: الحسن.
والمردود لا حاجة إلى تقسيمه, لأنَّه لا ترجيح بين أفراده.
واعْتُرضَ بأنَّ مراتبه أيضًا مُتفاوتة, فمنه ما يصلح للاعتبار, وما لا يصلح كما سيأتي, فكانَ ينبغي الاهتمام بتمييز الأوَّل من غيره.
وأُجيب: بأنَّ الصَّالح للاعتبار, داخلٌ في قسم المقبول, لأنَّه من قسم الحسن لغيره, وإن نُظر إليه باعتبار ذاته فهو أعلى مراتب الضعيف.
وقد تفاوتت مراتب الصَّحيح أيضًا, ولم تُنوع أنواعًا, وإنَّما لم يُذكر الموضوع لأنَّه ليسَ في الحقيقة بحديث اصْطلاحا, بل يَزْعم واضعهُ.
وقيل: الحديث صحيح وضعيف فقط, والحسن مُدْرجٌ في أنواع الصَّحيح.
قال العِرَاقيُّ في «نكته»: ولم أر من سبق الخطَّابي إلى تقسيمه المذكور, وإن كان في كلام المُتقدمين ذِكْر الحسن, وهو موجود في كلام الشافعي والبُخاري وجماعة, ولكن الخطَّابي نقل التقسيم عن أهل الحديث, وهو إمام ثقة, فتبعه ابن الصَّلاح.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: والظَّاهر أنَّ قوله: عند أهل الحديث, من العام الَّذي أُريد به الخُصوص, أي الأكثر, أو الَّذي استقرَّ اتفاقهم عليه بعد الاختلاف المتقدم.
تنبيه:
قال ابن كثير: هذا التقسيم إن كان بالنسبة لِمَا في نفس الأمر, فليس إلاَّ صحيح وكذب, أو إلى اصطلاح المُحدِّثين, فهو ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك.
وجوابه: أنَّ المُراد الثاني, والكل راجع إلى هذه الثَّلاثة.
الأوَّل: الصَّحيح وفيه مسائل
الأُولى في حَدِّه: وهو ما اتَّصلَ سنده بالعُدُول الضَّابطين من غَيْر شُذوذٍ ولا عِلَّة.
[الأوَّل: الصَّحيح] وهو فعيل بمعنى فاعل من الصحة, وهي حقيقة في الأجسام, واستعمالها هنا مجاز واستعارة تبعية
[وفيه مسائل: الأولى في حدِّه: وهو ما اتَّصل سنده] عدلٌ, عن قول ابن الصَّلاح: المُسند الذي يَتَّصل إسناده, لأنَّه أخصر وأشمل للمرفوع والموقوف.
[بالعدول الضَّابطين] جمعٌ باعتبار سلسلة السَّند, أي: بنقل العدل الضَّابط, عن العدل الضابط إلى مُنتهاه, كما عبَّر به ابن الصَّلاح, وهو أوضح من عبارة المُصنِّف, إذ تُوهم أن يرويه جماعة ضابطون، عن جماعة ضابطين, وليس مُرادًا.
قيل: كان الأفضل أن يَقُول: بنقل الثِّقة, لأنَّه من جمع العدالة والضَّبط, والتعاريف تُصَان عن الإسهاب.
[من غير شُذوذ ولا علة] فخرجَ بالقيد الأوَّل: المُنقطع والمُعضل والمعلَّق والمُدلَّس والمُرسل, على رأي من لا يقبله, وبالثاني ما نقله مجهول عينًا أو حالا, أو معروف بالضعف, وبالثالث ما نقله مُغفَّل كثير الخطأ, وبالرابع والخامس الشَّاذ والمُعلل.
تبيهات:
الأوَّل: حدَّ الخطَّابي الصَّحيح بأنَّه ما اتَّصل سندهُ وعدلت نقلته.
قال العِرَاقيُّ: فلم يشترط ضَبْط الرَّاوي, ولا السَّلامة من الشذُّوذ والعِلَّة. قال: ولا شكَّ أنَّ ضبطهُ لا بدَّ منهُ, لأنَّ من كَثُر الخطأ في حديثه, وفحش استحق التَّرك.
قلت: الَّذي يظهر لي أنَّ ذلك داخلٌ في عِبَارته, وأنَّ بين قولنا: العَدْل وعَدَّلوه فرقًا, لأنَّ المُغفَّل المُستحق للتَّرك, لا يصح أن يُقَال في حقِّه: عدَّله أصحاب الحديث, وإن كانَ عدلاً في دينه, فتأمَّل.
ثمَّ رأيتُ شيخ الإسْلام ذكر في «نكته» معنى ذلك فقال: إنَّ اشْتراط العَدَالة يَسْتدعي صِدْق الرَّاوي وعدم غَفْلته, وعدم تساهله عند التَّحَمُّل والأداء.
وقيل: إنَّ اشتراط نفي الشذوذ, يُغني عن اشْتراط الضَّبط, لأنَّ الشَّاذ إذا كان هو الفرد المُخَالف, وكان شرط الصَّحيح أن ينتفى, كان من كَثُرت منه المخالفة وهو غير الضابط أولى.
وأُجيب: بأنَّه في مُقَام التبيين, فأرادَ التَّنصيص ولم يكتف بالإشَارة.
قال العِرَاقي: وأمَّا السَّلامة من الشذُّوذ والعِلَّة, فقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح»: إنَّ أصْحَاب الحديث زادُوا ذلك في حدِّ الصَّحيح.
قال: وفيه نظر على مُقتضى نظر الفُقهاء, فإنَّ كثيرًا من العلل الَّتي يُعلِّل بها المُحَدِّثون لا تجري على أصول الفقهاء.
قال العِرَاقيُّ: والجواب: أنَّ من يُصنِّف في علم الحديث إنَّما يذكر الحد عند أهله لا عند غيرهم من أهل علم آخر.
وكون الفُقهاء والأُصوليين لا يشترطون في الصَّحيح هذين الشَّرطين, لا يفسد الحد عند من يَشْترطهما, ولذا قال ابن الصَّلاح بعد الحد: فهذا هو الحديث الَّذي يُحكم له بالصِّحة بلا خلاف بين أهل الحديث, وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث, لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه, أو لاختلافهم في اشتراط بعضها, كما في المُرسل.
الثاني: قيل: بقي عليه أن يقول: ولا إنكار.
وردَّ بأنَّ المُنكر عند المُصنِّف وابن الصَّلاح هو والشاذ سيان, فذكره معه تكرير, وعند غيرهما أسوأ حالا من الشاذ, فاشتراط نفي الشذوذ يقتضي اشتراط نفيه بطريق الأولى.
الثالث: قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا, وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال, أحدها: مُخالفة الثِّقة لأرجح منه, والثاني: تفرد الثِّقة مُطلقًا, والثالث: تفرد الرَّاوي مُطْلقًا.
ورد الأخيرين, فالظَّاهر أنَّهُ أرادَ هنا الأوَّل.
قال شيخ الإسلام: وهو مُشكل لأنَّ الإسْنَاد إذا كان مُتَّصلا, ورواته كلهم عُدولاً ضابطين, فقد انتفت عنه العلل الظَّاهرة, ثمَّ إذا انتفى كونه معلولاً, فما المَانع من الحُكم بصحته, فمُجرد مُخالفة أحد رُواته لمن هو أوثق منه, أو أكثر عددًا, لا يستلزم الضعف, بل يكون من باب صحيح وأصح.
قال: ولم يُرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمُخَالفة, وإنَّما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة.
وأمثلة ذلك موجودة في «الصَّحيحين» وغيرهما فمن ذلك: أنَّهما أخرجا قِصَّة جمل جابر من طُرق, وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن, وفي اشتراط رُكوبه, وقد رجَّح البُخاري الطُّرق الَّتي فيها الاشتراط على غيرها, مع تخريج الأمرين, ورجَّح أيضًا كون الثَّمن أُوقية مع تخريجه ما يُخالف ذلك.

ومن ذلك: أنَّ مُسلمًا أخرج فيه حديث مالك, عن الزُّهري, عن عروة, عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر, وقد خالفه عامة أصحاب الزُّهري, كمَعْمَر, ويونس, وعَمرو بن الحارث, والأوزاعي, وابن أبي ذئب, وشُعيب, وغيرهم عن الزُّهْري, فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصُّبح, ورجَّح جمعٌ من الحُفَّاظ روايتهم على رواية مالك, ومع ذلك فلم يتأخَّر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كُتبهم, وأمثلة ذلك كثيرة.
ثمَّ قال: فإن قيلَ: يلزم أن يُسمَّى الحديث صحيحًا ولا يُعمل به. قلت: لا مانع من ذلكَ, ليسَ كل صحيح يُعمل به, بدليل المنسُوخ, قال: وعلى تقدير التسليم أن المُخالف المرجوح لا يُسمَّى صحيحًا, ففي جعل انتفائه شَرطًا في الحكم للحديث بالصحة نظر, بل إذا وجدت الشروط المذكُورة أولاً حُكم للحديث بالصِّحة ما لم يظهر بعد ذلكَ أنَّ فيه شُذُوذًا, لأنَّ الأصل عدم الشُّذوذ, وكون ذلكَ أصلاً مأخوذ من عَدَالة الرَّاوي وضبطه, فإذا ثبت عدالته وضبطه, كان الأصل أنَّه حفظ ما روى حتَّى يتبين خلافه.
الرابع: عبارة ابن الصَّلاح(42/1): ولا يكون شاذًّا ولا مُعللا.
فاعتُرض بأنَّه لا بد أن يقول: بعلِّة قادحة.
وأجيب: بأن ذلك يؤخذ من تعريف المعلول حيث ذكر في موضعه.
قال شيخ الإسلام: لكن من غيَّر عبارة ابن الصَّلاح فقال: من غير شذوذ ولا عِلَّة, احتاج أن يصف العلة بكونها قادحة, وبكونها خفية, وقد ذكر العراقي في «منظومته» الوصف الأوَّل وأهمل الثاني, ولا بد منه, وأهمل المُصنِّف وبدر الدين ابن جماعة الاثنين, فبقي الاعتراض من وجهين.
قال شيخ الإسلام: ولم يُصب من قال: لا حاجة إلى ذلك, لأنَّ لفظ العِلَّة لا يُطلق إلاَّ على ما كان قادحًا, فلفظ العِلَّة أعم من ذلك.
الخامس: أورد على هذا التعريف ما سيأتي: إنَّ الحسن إذا رُوي من غير وجه ارتقى من درجة الحسن إلى مَنْزلة الصِّحة, وهو غير داخل في هذا الحد, وكذا ما اعْتُضد بتلقي العلماء له بالقبول.
قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول, وإن لم يكن له إسناد صحيح.
قال ابن عبد البرِّ في «الاستذكار» لمَّا حكى عن التِّرمذي: أنَّ البُخَاري صحَّح حديث البَحْر «هُو الطَّهُور مَاؤُه...» : وأهل الحديث لا يُصَحِّحُون مثل إسْنَاده, لكن الحديث عندي صحيح, لأنَّ العُلماء تلقُوه بالقبول.
وقال في «التمهيد»: روى جابر عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - «الدِّينار أرْبَعة وعِشْرُون قيراطًا». قال: وفي قول جماعة العُلماء وإجماع النَّاس على معناه غنى عن الإسناد فيه.
وقال الأستاذ أبو إسْحَاق الإسفرايني: تُعرف صحة الحديث إذا اشْتُهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم.
وقال نحوه ابن فُورك, وزاد بأنَّ مثل ذلكَ بحديث: «في الرِّقة رُبع العُشْر, وفي مئتي دِرْهم خَمْسةُ دراهم».
وقال أبو الحسن ابن الحصار في «تقريب المدارك على موطأ مالك»: قد يعلم الفقيه صحَّة الحديث إذا لم يكن في سنده كذَّاب بموافقة آية من كتاب الله, أو بعض أصول الشَّريعة, فيحمله ذلك على قبوله والعمل به.
وأجيب: عن ذلك بأنَّ المُراد بالحد الصحيح لذاته لا لغيره, وما أورد من قَبِيل الثاني.
السَّادس: أورد أيضًا المُتواتر, فإنَّه صحيح قطعًا, ولا يشترط فيه مجموع هذه الشُّروط.
قال شيخ الإسلام: ولكن يُمكن أن يُقال: هل يُوجد حديث مُتواتر, لم تُجمع فيه هذه الشُّروط !
السَّابع: قال ابن حجر: قد اعتنى ابن الصَّلاح والمُصنِّف بجعل الحسن قسمين: أحدهما لذاته, والآخر باعْتِضَاده, فكانَ ينبغي أن يُعتني بالصَّحيح أيضًا, ويُنبه على أنَّ له قسمين كذلك, وإلاَّ فإن اقتصر على تعريف الصَّحيح لذاته في بابه, وذكر الصَّحيح لغيره في نوع الحسن, لأنَّه أصلهُ, فكان ينبغي أن يُقتصر على تعريف الحسن لذاته في بابه, ويُذكر الحسن لغيره في نوع الضعيف, لأنَّه أصله.
فائدتان:
الأولى: قال ابن حجر: كلام ابن الصَّلاح في «شرح مسلم» له يدل على أنَّه أخذ الحد المذكور هنا من كلام مُسلم, فإنَّه قال: شرط مسلم في «صحيحه» أن يكون مُتَّصل الإسناد, بنقل الثِّقة عن الثِّقة من أوَّله إلى مُنتهاه, غير شاذ ولا مُعلَّل, وهذا هو حد الصحيح في نفس الأمر.
قال شيخ الإسلام: ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مُسلم, فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحة, فذاك وإلاَّ فالنَّظر السَّابق في السلامة من الشذوذ باق, قال: ثمَّ ظهر لي مأخذ ابن الصَّلاح, وهو أنَّه يرى أن الشَّاذ والمُنكر اسمان لمُسمى واحد.
وقد صرَّح مسلم بأنَّ عَلامة المُنكر أن يروي الرَّاوي عن شيخ كثير الحديث والرُّواة شيئا ينفرد به عنهم, فيكُون الشَّاذ كذلك, فيشترط انتفاؤه.
الثانية: بقي للصَّحيح شُروط مُختلفٌ فيها:
منها: ما ذكرهُ الحاكم من «عُلوم الحديث» أن يكون راويه مشهورًا بالطَّلب, وليس مُراده الشُّهرة المُخرجة عن الجهالة, بل قدر زائد على ذلك.
قال عبد الله بن عون: لا يؤخذ العلم إلاَّ على من شُهد له بالطَّلب, وعن مالك نحوه.
وفي مقدمة مسلم عن أبي الزِّناد: أدركتُ بالمدينة مئة كُلُّهم مَأمون, ما يُؤخذ عنهم الحَدِيث, يُقال: ليسَ من أهله.
قال شيخ الإسْلام: والظَّاهر من تصرف صاحبي «الصحيح» اعتبار ذلك, إلاَّ إذا كَثُرت مخارج الحديث, فيستغنيان عن اعتبار ذلك, كمَا يستغني بكثرة الطُّرق عن اعتبار الضَّبط التَّام.
قال شيخُ الإسْلام: ويمكن أن يُقال: اشتراط الضَّبط يُغني عن ذلك, إذ المقصود بالشُّهرة بالطلب, أن يكون له مزيد اعتناء بالرِّواية, لتركن النَّفس إلى كونه ضبط ما روى, ومنها ما ذكره السَّمعاني في القواطع, أنَّ الصَّحيح لا يُعرف برواية الثِّقات فقط, وإنَّما يُعرف بالفهم والمَعْرفة وكثرة السَّماع والمُذَاكرة.
قال شيخ الإسْلام: هذا يُؤخذ من اشتراط انتفاء كونه مَعلُولا, لأنَّ الاطلاع على ذلكَ إنَّما يحصل بما ذكر من الفَهْم والمُذَاكرة وغيرهما.
ومنها: أنَّ بعضهم اشْتَرط علمهُ بمعاني الحديث, حيث يروي بالمعنى, وهو شرط لا بد منهُ, لكنه داخل في الضَّبط كما سيأتي في معرفة من تُقبل روايته.
ومنها: أنَّ أبا حنيفة اشترط فقه الرَّاوي.
قال شيخ الإسلام: والظَّاهر أنَّ ذلك إنَّما يشترط عند المُخَالفة, أو عند التَّفرد بما تَعُم به البَلْوى.
ومنها: اشتراط البُخَاري ثُبوت السَّماع لكلِّ راو من شيخه, ولم يكتف بإمكان اللقاء والمُعَاصرة كما سَيأتي, وقيل: إنَّ ذلكَ لم يذهب أحد إلى أنَّه شرطَ الصَّحيح, بل للأصحية.
ومنها: أنَّ بعضهم اشْترط العدد في الرِّواية كالشَّهادة.
قال العِرَاقي: حكاهُ الحَازمي في شُروط الأئمة عن بعض مُتأخري المُعْتزلة, وحكى أيضًا عن بعض أصْحَاب الحديث.
قال شيخ الإسلام: وقد فَهِمَ بعضهم ذلكَ من خِلال كلام الحاكم في «علوم الحديث» وفي «المدخل» كما سيأتي في شرط البُخَاري ومسلم, وبذلك جَزمَ ابن الأثير في مقدمة «جامع الأصول» وغيره.
وأعجب من ذلكَ ما ذَكَرهُ الميانجي في كتاب «ما لا يسع المُحدِّث جهله»: شرط الشَّيخين في «صحيحهما» أن لا يدخُلا فيه إلاَّ ما صَحَّ عندهما, وذلكَ ما رواهُ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - اثنان فصَاعدًا, وما نقلهُ عن كلِّ واحد من الصَّحابة أربعة من التَّابعين فأكثر, وأن يَكُون عن كلِّ واحد من التابعين أكثر من أربعة. انتهى.
قال شيخ الإسْلام: وهو كلام من لم يُمارس «الصَّحيحين» أدْنَى مُمَارسة, فلو قال قائل: ليس في الكتابين حديث واحد بهذه الصِّفة لما أبعد.
وقال ابن العَرَبي في «شرح الموطأ»: كان مذهب الشَّيخين أنَّ الحديث لا يثبت حتَّى يرويه اثنان, قال: وهو مذهب باطل, بل رواية الواحد عن الواحد صحيحة إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال في «شرح البُخاري» عند حديث «الأعمال...»: انفرد به عُمر, وقد جاء من طريق أبي سعيد, رواه البزَّار بإسْنَاد ضعيف.
قال: وحديث عُمر وإن كان طريقه واحدا وإنَّما بنى البُخَاري كتابه على حديث يرويه أكثر من واحد, فهذا الحديث ليسَ من ذلك الفن, لأنَّ عُمر قاله على المنبر بمحضر الأعيان من الصحابة, فصَار كالمُجْمع عليه, فكأنَّ عمر ذكَّرهم, لا أخبر.
قال ابن رُشيد: وقد ذكر ابن حبَّان في أوَّل «صحيحه»: أنَّ ما ادَّعاه ابن العربي وغيره, من أنَّ شرط الشَّيخين ذلكَ مُستحيل الوجود.
قال: والعَجَب منه كيف يدَّعي عليهما ذلك, ثمَّ يزعم أنَّه مذهب باطل, فليت شعري من أعلمه بأنَّهما اشترطا ذلك, إن كان منقولاً فليُبين طريقه ليُنظر فيها, وإن كان عرفه بالاستقراء فقد وهم في ذلك, ولقد كان يكفيه في ذلك أوَّل حديث في البُخاري, وما اعتذر به عنه فيه تقصير, لأنَّ عمر لم ينفرد به وحده, بل انفرد به عَلْقمة عنه, وانفرد به محمَّد بن إبراهيم, عن علقمة, وانفرد به يحيى بن سعيد, عن محمد, وعن يحيى تعددت رُواته.
وأيضًا: فكون عُمر قاله على المنبر لا يستلزم أن يَكُون ذكَّر السَّامعين بما هو عندهم, بل هو مُحتمل للأمرين, وإنَّما لم يُنكروه لأنَّه عندهم ثقة, فلو حدَّثهم بما لم يسمعُوه قط, لم يُنكروا عليه.
وقد قال باشْتراط رَجُلين عن رجلين في شرط القَبُول إبراهيم بن إسماعيل ابن علية, وهو من الفُقهاء المُحدِّثين, إلاَّ أنَّه مهجُور بالقَوْل عند الأئمة لِمَيله إلى الاعْتزال, وقد كانَ الشَّافعي يرد عليه ويُحذِّر منهُ.
وقال أبو علي الجبائي من المعتزلة: لا يُقبل الخبر إذا رَواه العدل الواحد إلاَّ إذا انضم إليه خبر عدل آخر, أو عضده مُوافقة ظاهر الكتاب, أو ظاهر خبر آخر, أو يكون منتشرًا بين الصحابة, أو عمل به بعضهم. حكاهُ أبو الحسن البصري في «المعتمد».
وأطلقَ الأسْتاذ أبو نَصْر التميمي, عن أبي علي: أنَّه لا يقبل إلاَّ إذا رواه أرْبعة.
وللمُعتزلة في ردِّ الخبر الواحد حُجَجٌ, منها قِصَّة ذِي اليدين, وكون النَّبي - صلى الله عليه وسلم - توقَّف في خبره, حتَّى تابعه عليه غيره, وقِصَّة أبي بكر حين توقَّف في خبر المُغيرة في ميراث الجدة, حتَّى تابعه محمَّد بن مَسْلمة, وقِصَّة عُمر حين توقَّف عن خبر أبي مُوسى في الاستئذان, حتَّى تابعه أبو سعيد.
وأُجيب عن ذلك كله:
فأمَّا قِصَّة ذي اليدين, فإنَّما حصلَ التوقف في خبرهِ, لأنَّه أخبرهُ عن فعله - صلى الله عليه وسلم - , وأمر الصَّلاة لا يرجع المُصلِّى فيه إلى خبر غيره, بل ولو بلغُوا حد التواتر, فلعله إنَّما تذكَّر عند إخبار غيره, وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - رُسله واحدًا واحدًا إلى المُلوك, ووفد عليه الآحاد من القبائل, فأرسلهُ إلى قبائلهم, وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه, مع عدم اشتراط التعدد.
وأمَّا قِصَّة أبي بكر, فإنَّما توقَّف إرَادة الزِّيادة في التوثق, وقد قَبِلَ خبر عائشة وحدها في قدر كفنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأمَّا قِصَّة عُمر, فإنَّ أبا مُوسى أخبرهُ بذلك الحديث, عقب إنكاره عليه رجُوعه, فأرادَ التثبت من ذلك, وقد قبلَ خبر ابن عوف وحدهُ في أخذ الجِزْية من المَجُوس, وفي الرُّجُوع عن البلد الَّذي فيها الطَّاعون, وخبر الضَحَّاك بن سُفيان في توريث امرأة أُشيم.
قلتُ: وقد استدلَّ البَيْهقي في «المدخل» على ثُبوت الخبر بالواحد بحديث: «نضَّر الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالتي فوَعَاها فأدَّاها». وفي لفظ: «سَمِعَ مِنَّا حديثًا فبلَّغه غيرهُ».
وبحديث «الصَّحيحين» بينما النَّاس بقُبَاء في صلاة الصُّبح إذ أتاهم آت فقال: إنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزلَ الله عليه الليلة قُرآنًا, وقد أمرَ أن تستقبلوا الكعبة فاستقبلوها, وكانت وجُوههم إلى الشَّام, فاسْتداروا إلى الكعبة.
قال الشافعي: فقد تركُوا قبلةً كانوا عليها بخبر واحد, ولم يُنكر ذلك عليهم - صلى الله عليه وسلم -.
وبحديث «الصحيحين» عن أنس: إنِّي لقائم أسقي أبا طلحة, وفلانًا وفلانًا, إذ دخلَ رجل فقال: هل بلغكُم الخبر؟ قُلنا: وما ذاكَ؟ قال: حُرِّمت الخمر. قال: أهْرِق هذه القِلال يا أنس. قال: فما سألُوا عنها ولا راجعُوها بعد خبر الرَّجُل.
وبحديث إرْسَاله عليًّا إلى الموقف بأوَّل سُورة براءة.
وبحديث يزيد بن شَيْبان كنَّا بعرفة, فأتانا ابن مِرْبع الأنصاري فقال: إنِّي رَسُول رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكُم, يأمركُم أن تقفُوا على مَشَاعركُم هذه.
وبحديث «الصحيحين» عن سَلَمة بن الأكْوع: بعثَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشُوراء رَجُلا من أسْلم يُنَادي في النَّاس: «إنَّ اليَوْم يوم عَاشُوراء, فمن كَانَ أكلَ فلا يأكل شيئا...» الحديث, وغير ذلك.
وقد ادَّعى ابن حبان نقيض هذه الدعوى فقال: إنَّ رواية اثنين, عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا. وسيأتي تقرير ذلكَ في الكلام على العزيز.
ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي: أنَّ بعضهم اشترط في قَبُول الخبر أن يرويه ثلاثة إلى مُنتهاه, واشْترط بعضهم أربعة عن أربعة, وبعضهم خمسة عن خمسة, وبعضهم سَبْعة عن سَبْعة.
وإذا قيلَ: صَحيحٌ, فهذا معناهُ, لا أنَّه مَقْطُوعٌ به, وإذا قيلَ: غيرُ صحيح, فمعناهُ لم يصح إسْنَادهُ, والمُختار أنَّه لا يجْزم في إسْنَاد أنَّه أصح الأسَانيد مُطلقًا.
[وإذا قيل:] هذا حديث [صحيح, فهذا معناه] أي: ما اتَّصلَ سنده مع الأوصاف المذكُورة فقبلناهُ عملاً بظاهر الإسْنَاد [لا أنَّه مقطوع به] في نفس الأمر, لِجَواز الخطأ والنِّسيان على الثِّقة, خلافًا لمن قال: إنَّ خبر الواحد يُوجب القَطْع, حكاهُ ابن الصبَّاغ عن قومٍ من أهل الحديث, وعزاهُ البَاجي لأحمد, وابن خُويز منداد لمالك, وإن نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه, وحكاه ابن عبد البرِّ عن حسين الكرابيسي, وابن حزم عن داود.
وحكى السُّهيلي عن بعض الشَّافعية ذلك بشرط أن يكون في إسْنَاده إمام, مثل مالك وأحمد وسفيان, وإلاَّ فلا يُوجبه.
وحكى الشَّيخ أبو إسحاق في «التبصرة» عن بعض المُحدِّثين ذلك في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر وشبهه.
أمَّا ما أخرجه الشَّيخان, أو أحدهما فسيأتي الكلام فيه.
[وإذا قيل:] هذا حديث [غير صحيح] لو قال: ضعيف لكان أخصر وأسلم من دُخول الحسن فيه, [فمعناه لم يصح إسناده] على الشَّرط المذكور, لا أنَّه كذب في نفس الأمر, لِجَواز صدق الكاذب, وإصَابة من هو كثير الخطأ.
[والمُختار أنَّه لا يُجزم في إسناد أنَّه أصح الأسانيد مُطلقًا] لأنَّ تفاوت مراتب الصِّحة مرتب على تمكن الإسناد من شُروط الصِّحة, ويعز وجُود أعلى درجات القَبُول في كلِّ واحد من رجال الإسناد الكائنين في ترجمة واحدة, ولهذا اضْطَرب من خاض في ذلك, إذ لم يكن عندهم استقراء تام, وإنَّما رجَّح كل منهم بحسب ما قَويَ عنده, خُصوصًا إسناد بلده, لكثرة اعْتنائه به.
كمَا رَوَى الخَطِيب في «الجامع» من طريق أحمد بن سعيد الدَّارمي, سمعتُ محمود بن غيلان يقول: قيلَ لوكيع بن الجرَّاح: هِشَام بن عُروة عن أبيه عن عائشة, وأفلح بن حُميد عن القاسم عن عائشة, وسُفيان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة, أيهم أحب إليك؟ قال: لا نعدل بأهل بلدنا أحدًا. قال أحمد بن سعيد: فأمَّا أنَا فأقُول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أحب إليَّ, هكذا رأيت أصحابنا يُقدِّمون.
فالحُكم حينئذ على إسنادٍ مُعيَّن بأنَّه أصح على الإطلاق, مع عدم اتفاقهم ترجيح بغير مرجح.
قال شيخ الإسلام: مع أنَّه يمكن للنَّاظر المُتقن ترجيح بعضها على بعض, من حيث حفظ الإمام الَّذي رجَّح وإتقانه, وإن لم يتهيأ ذلكَ على الإطلاق, فلا يخلُو النَّظر فيهِ من فائدة, لأنَّ مجموع ما نُقل عن الأئمة من ذلك يُفيد ترجيح التَّراجم الَّتي حَكمُوا لها بالأصحية, على ما لم يقع له حكم من أحد منهم.
تنبيه:
عِبَارة ابن الصَّلاح: ولهذا نَرَى الإمْسَاك عن الحكم لإسْنَاد أو حديث بأنَّه أصح على الإطلاق.
قال العَلائي: أمَّا الإسْنَاد فقد صرَّح جَمَاعة بذلك, وأمَّا الحديث فلا يُحفظ عن أحد من أئمة الحديث, أنَّه قال: حديث كذا أصح الأحاديث على الإطْلاق, لأنَّه لا يَلْزم من كَوْن الإسْنَاد أصح من غيره, أن يَكُون المتن كذلك, فلأجل ذلكَ ما خاضَ الأئمة إلاَّ في الحُكم على الإسْنَاد.
وكأنَّ المُصَنِّف حذفهُ لذلك, لكن قال شيخ الإسْلام: سيأتي أنَّ من لازم ما قاله بعضهم: إنَّ أصح الأسَانيد ما رواه أحمد عن الشَّافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر, أن يكون أصح الأحاديث الحديث الَّذي رواه أحمد بهذا الإسناد, فإنَّه لم يرو في «مسنده» به غيره, فيَكُون أصح الأحاديث على رأي من ذهب إلى ذلك.
قلتُ: قد جزمَ بذلكَ العلائي نفسه في عَوَالي مالك, فقال في الحديث المذكُور: إنَّه أصح حديث في الدُّنيا.
وقيلَ: أصحُّها الزُّهري عن سَالم عن أبيه, وقيلَ: ابن سِيرينَ عن عَبيدة عن عليٍّ, وقيل: الأعْمش عن إبراهيم عن عَلْقَمة عن ابن مَسْعُود, وقيل: الزُّهري عن عليِّ بن الحُسَين عن أبيه عن عليٍّ, وقيل: مالك عن نافع عن ابن عُمر, فعلى هذا قيل: الشَّافعي عن مالك عن نافع عن ابن عُمر.
[وقيل أصحُّها] مطلقا ما رواه أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب [الزُّهري عن سالم] بن عبد الله بن عمر [عن أبيه] وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه, صرح بذلك ابن الصَّلاح(76/1).
[وقيل] أصحُّها محمَّد [ابن سيرين عن عَبيدة] السَّلماني بفتح العين [عن علي] بن أبي طالب, وهو مَذْهب ابن المديني والفلاَّس وسُليمان بن حرب, إلاَّ أن سُليمان قال: أجودها أيُّوب السِّخْتياني عن ابن سيرين, وابن المديني: عبد الله بن عون عن ابن سيرين, حكاه ابن الصَّلاح.
[وقيل:] أصحها سليمان [الأعمش عن إبراهيم] بن يزيد النخعي [عن علقمة] بن قيس [عن عبد الله بن مسعود] وهو مذهب ابن معين, صرح به ابن الصَّلاح.
[وقيل] أصحها [الزُّهْري عن زين العابدين [علي بن الحُسين عن أبيه] الحُسين عن أبيه [علي] بن أبي طالب, حكاهُ ابن الصَّلاح عن أبي بكر بن أبي شيبة, والعِرَاقي عن عبد الرزاق.
[وقيل:] أصحها [مالك] بن أنس [عن نافع] مولى ابن عمر [عن ابن عمر] وهذا قول البُخَاري, وصدَّر العراقي به كلامه, وهو أمر تميل إليه النفوس وتنجذب إليه القلوب.
روى الخَطِيب في «الكفاية» عن يحيى بن بُكير أنَّه قال لأبي زرعة الرَّازي: يا أبا زرعة ليس ذا زعزعة عن زوبعة, إنَّما ترفع السِّتر فتنظر إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - والصَّحابة, حدثنا مالك عن نافع عن ابن عُمر.
[فعَلَى هذا قيل] عِبَارة ابن الصَّلاح: وبَنى الإمام أبو منصُور عبد القاهر بن طَاهر التَّميمي: أن أجل الأسَانيد [الشَّافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر] واحتجَّ بإجْمَاع أهل الحديث, على أنَّه لم يكن في الرُّواة عن مالك أجل من الشَّافعي.
وبنى بعض المُتأخرين على ذلك أنَّ أجلها رواية أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك, لاتفاق أهل الحديث على أنَّ أجل من أخذ عن الشَّافعي من أهل الحديث الإمام أحمد, وتُسمَّى هذه الترجمة سلسلة الذَّهب, وليسَ في «مُسنده» على كبره بهذه الترجمة سِوَى حديث واحد, وهو في الواقع أربعة أحاديث جمعها وسَاقها مساق الحديث الواحد, بل لم يقع لنَا على هذه الشريطة غيرها ولا خارج المسند.
أخبرني شيخنا الإمام تقي الدين الشَّمني رحمه الله بقراءتي عليه, أخبرنا عبد الله بن أحمد الحنبلي, أخبرنا أبو الحسن العرضي, أخبرتنا زينب بنت مكي.
(ح) وأخبرني عاليًا مُسْنِدُ الدُّنيا على الإطلاق أبو عبد الله محمد بن مقبل الحلبي مكاتبة منه, عن الصَّلاح ابن أبي عُمر المَقْدسي, وهو آخر من روى عنه, أخبرنا أبو الحسن بن البُخَاري, وهو آخر من حدث عنه, قالا: أخبرنا أبو علي الرصافي, أخبرنا هبةُ الله ابن محمد, أنبأنا أبو علي التميمي, أخبرنا أبو بكر القَطِيعي, أنبأنا عبد الله بن أحمد, حدَّثني أبي, أنبأنا محمد بن إدريس الشَّافعي, انبأنا مالك, عن نافع, عن ابن عُمر رَضِي الله عنهما, أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَبِعْ بَعضكُم على بيعِ بَعْضٍ». ونَهَى عن النَّجْشِ, ونَهَى عن بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلة, ونَهَى عن المُزَابنةِ. والمُزَابنةُ: بيع الثمر بالتَّمر كيلاً, وبيع الكَرْمِ بالزَّبيب كيلاً.
أخرجه البُخَاري مُفرقًا من حديث مالك.
وأخرجهَا مسلم من حديث مالك إلاَّ النَّهي عن حَبَل الحبلة, فأخرجه من وجه آخر.
تنبيهات:
الأول: اعترضَ مَغْلطَاي على التميمي في ذكره الشَّافعي برواية أبي حنيفة عن مالك, إن نظرنا إلى الجلالة, وبابن وهب والقعنبي, إن نظرنا إلى الإتقان.
قال البَلْقِيني في «محاسن الاصْطلاح»: فأمَّا أبو حنيفة فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدَّارقُطْني, لكن لم تشتهر رِوَايته عنه كاشتهار رواية الشَّافعي, وأمَّا القَعْنبي وابن وهب فأين تقع رُتبتهما من رُتبة الشَّافعي.
وقال العِرَاقي, فيما رأيته بخطِّه: رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدَّارقطني في «غرائبه» وفي «المُدبج» ليست من روايته عن ابن عُمر, والمسألة مفروضة في ذلك, قال: نعم ذكر الخطيب حديثًا كذلك في الرِّواية عن مالك.
وقال شيخ الإسلام: أمَّا اعتراضه بأبي حنيفة فلا يَحْسُن لأنَّ أبا حنيفة لم تثبت روايته عن مالك, وإنَّما أوردها الدَّارقطني, ثمَّ الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه بإسنادين فيهما مقال, وأيضًا فإنَّ رواية أبي حنيفة عن مالك إنَّما هي فيما ذكرهُ في المُذاكرة, ولم يقصد الرِّواية عنه كالشَّافعي, الَّذي لازمه مُدَّة طويلة, وقرأ عليه «الموطأ» بنفسه.
وأمَّا اعتراضه بابن وهب والقَعْنبي, فقد قال الإمام أحمد: أنَّه سمع «الموطأ» من الشَّافعي بعد سَمَاعه له من ابن مهدي الرَّاوي عن مالك بكثرة, قال لأنِّي رأيتهُ فيه ثبتًا, فعلَّل إعادته لِسَماعه وتخصيصها بالشَّافعي بأمر يرجع إلى التثبت, ولا شكَّ أنَّ الشَّافعي أعلم بالحديث منهما.
قال: نعم أطلقَ ابن المَدِيني أنَّ القعنبي أثبتَ النَّاس في «الموطأ» والظَّاهر أنَّ ذلكَ بالنسبة إلى الموجودين عندَ إطلاق تلكَ المَقَالة, فإنَّ القعنبي عاشَ بعد الشَّافعي مُدَّة, ويؤيد ذلك مُعارضة هذه المَقَالة بمثلها, فقد قال ابن معين مثل ذلك في عبد الله بن يوسف التِّنيسي.
قال: ويُحتمل أن يَكُون وجه التقديم من جهة من سمع كثيرًا من «الموطأ» من لفظ مالك, بناء على أنَّ السَّماع من لفظ الشَّيخ أتقن من القِرَاءة عليه, وأمَّا ابن وهب فقد قال غير واحد: إنَّه غير جيد التحمُّل, فيحتاج إلى صحة النقل عن أهل الحديث, إن كان أتقن الرُّواة عن مالك, نعم كان كثير اللزوم له.
قال: والعَجَب من تَرْديد المُعترض من الأجلية والأتقنية, وأبو منصُور إنَّما عبَّر بأجل, ولا يشك أحد أنَّ الشَّافعي أجل من هؤلاء, لمَا اجتمع له من الصِّفات العَلِية المُوجبة لتقديمه, وأيضًا, فزيادة إتْقَانه لا يشك فيها من له علم بأخبار النَّاس, فقد كانَ أكابر المُحدِّثين يأتُونه فيُذَاكرونه بأحاديث أشكلت عليهم, فيبين لهم ما أشكل ويُوقفهم على علل غامضة, فيقُومون وهم يتعجبون, وهذا لا يُنازع فيه إلاَّ جاهل, أو مُتغافل.
قال: لكن إيراد كلام أبي منصور في هذا الفصل فيه نظر, لأنَّ المُراد بترجيح ترجمة مالك عن نافع عن ابن عمر على غيرها, إن كان المُراد به ما وقع في «الموطأ» فرواته فيه سواء من حيث الاشتراك في رواية تلك الأحاديث, ويتم ما عبَّر به أبو منصور من أنَّ الشافعي أجلهم, وإن كان المُراد به أعم من ذلك, فلا شكَّ أنَّ عند كثير من أصحاب مالك من حديثه خارج «الموطأ» ما ليس عند الشَّافعي, فالمُقَام على هذا مقام تأمُّل, وقد نُوزع في أحمد بمثل ما نُوزع في الشافعي من زيادة المُمَارسة والمُلازمة لغيره, كالرَّبيع مثلاً, ويُجَاب بمثل ما تقدَّم.
الثاني: ذكر المُصنِّف تبعًا لابن الصَّلاح في هذه المسألة خمسة أقوال, وبقي أقوال أُخر.
فقال حجَّاج بن الشَّاعر: أصح الأسانيد شُعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب, يعني عن شيوخه, هذه عبارة شيخ الإسلام في «نكته».
وعبارة الحاكم: قال حجَّاج: اجتمع أحمد بن حنبل وابن معين وابن المَدِيني في جماعة معهم, فتذاكروا أجود الأسَانيد, فقال رجل منهم: أجود الأسانيد شُعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة, ثمَّ نقل عن ابن معين وأحمد ما سبق عنهما.
وقال ابن معين: عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس إسناد أثبت من هذا, أسنده الخطيب في «الكفاية».
قال شيخ الإسلام ابن حجر: فعلى هذا لابن معين قولان.
وقال سُليمان بن داود الشَّاذكوني: أصح الأسانيد يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة عن أبي هُريرة.
وعن خلف بن هشام البَزَّار: قال سألتُ أحمد بن حنبل: أي الأسانيد أثبت؟ قال أيُّوب عن نافع عن ابن عمر, فإن كان من رواية حمَّاد بن زيد عن أيُّوب فيالكَ.
قال ابن حجر: فلأحمد قولان.
وروى الحاكم في «مستدركه» عن إسْحَاق بن راهويه قال: إذا كان الرَّاوي عن عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه ثقة, فهو كأيُّوب عن نافع عن ابن عُمر.
وهذا مُشعر بجلالة إسناد أيُّوب عن نافع عنده.
وروى الخطيب في «الكِفَاية» عن وكيع قال: لا أعلم في الحديث شيئا أحسن إسْنَادًا من هذا: شعبة عن عَمرو بن مُرَّة عن مرة عن أبي موسى الأشْعَري.
وقال ابن المُبَارك والعِجْلي: أرْجَح الأسَانيد وأحسنها: سُفيان الثَّوري عن منصُور عن إبراهيم عن عَلْقمة عن عبد الله بن مسعود, وكذلك رجَّحها النَّسائي.
وقال النَّسائي: أقْوَى الأسَانيد التي تُروى... فذكر منها الزُّهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبَّاس عن عُمر.
ورجَّح أبو حاتم الرَّازي ترجمة يحيى بن سعيد القَطَّان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عُمر.
وكذا رجَّح أحمد رِوَاية عُبيد الله عن نافع على رِوَاية مالك عن نافع.
ورجَّح ابن معين ترجمة يحيى بن سعيد عن عُبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة.
الثالث: قال الحاكم: ينبغي تَخْصيص القول في أصح الأسَانيد بصحابي أو بلد مخصُوص, بأن يُقَال أصح إسناد فُلان أو الفُلانيين كذا, ولا يُعمم.
قال: فأصح أسانيد الصِّديق: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه.
وأصح أسانيد عُمر: الزُّهري عن سالم عن أبيه عن جدِّهِ.
وقال ابن حزم: أصح طريق يُروى في الدُّنيا عن عُمر: الزُّهْري عن السَّائب بن يزيد عنه.
قال الحاكم: وأصح أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي, إذا كان الرَّاوي عن جعفر ثقة.
هذه عبارة الحاكم, ووافقه من نقلها, وفيها نظر, فإنَّ الضمير في جده إن عاد إلى جعفر فجده عليِّ لم يسمع من علي بن أبي طالب, أو إلى محمَّد فهو لم يسمع من الحُسين.
وحكى الترمذي في الدَّعوات عن سليمان بن داود أنَّه قال في رواية الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي: هذا الإسناد مثل الزُّهْري عن سالم عن أبيه.
ثمَّ قال الحاكم: وأصح أسانيد أبي هُريرة: الزُّهْري عن سعيد بن المسيب عنه.
وروى قبل عن البُخَاري: أبو الزِّناد عن الأعرج عنه.
وحكى غيره عن ابن المديني: من أصح الأسانيد حماد بن زيد عن أيُّوب عن محمَّد بن سيرين عن أبي هُرَيْرة.
قال: وأصح أسانيد ابن عُمر: مالك عن نافع عنه.
وأصح أسانيد عائشة: عُبيد الله بن عُمر عن القاسم عنها. قال ابن معين: هذه ترجمة مُشَبكة بالذَّهب.
قال: ومن أصح الأسانيد أيضًا الزُّهْري عن عروة بن الزُّبير عنها.
وقد تقدَّم عن الدَّارمي قول آخر.
وأصح أسانيد ابن مسعود: سُفيان الثَّوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه.
وأصح أسانيد أنس: مالك عن الزُّهْري عنه.
قال شيخ الإسلام: وهذا مِمَّا يُنازع فيه, فإنَّ قتادة وثابتًا البُنَاني أعرف بحديث أنس عن الزُّهْري, ولهُمَا من الرُّواة جماعة, فأثبت أصْحَاب ثابت: حماد بن زيد, وقيل: حمَّاد بن سلمة, وأثبت أصحاب قتادة: شعبة, وقيل: هشام الدَّستوائي.
وقال البَزَّار: رواية عليِّ بن الحسين بن علي عن سعيد بن المُسيب عن سعد بن أبي وقَّاص, أصح إسناد يُروى عن سعد.
وقال أحمد بن صالح المصري: أثبت أسانيد أهل المدينة: إسْمَاعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سُفيان عن أبي هُرَيْرة.
قال الحاكم: وأصح أسَانيد المَكِّيين: سُفيان بن عُيينة عن عَمرو بن دينار عن جابر.
وأصح أسَانيد اليَمَانين: مَعْمَر عن همَّام عن أبي هُريرة.
وأثبت أسانيد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عُقْبة بن عامر.
وأثبت أسانيد الخُرَاسانيين: الحسين بن واقد عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه.
وأثبت أسانيد الشَّاميين: الأوزاعي عن حسَّان بن عَطِية عن الصَّحابة.
قال شيخ الإسْلام ابن حجر: ورجَّح بعض أئمتهم رِوَاية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخَوْلاني عن أبي ذر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ليسَ بالكُوفة أصح من هذا الإسْنَاد: يحيى بن سعيد القطَّان عن سُفيان الثَّوري عن سُليمان التيمي عن الحارث بن سُويد عن علي.
وكان جَمَاعة لا يُقدِّمُون على حديث الحِجَاز شيئا حتَّى قال مالك: إذا خرج الحديث عن الحجاز انقطع نُخَاعه.
وقال الشَّافعي(100/1): إذا لم يُوجد للحديث من الحجاز أصل ذهب نُخَاعه, حكاهُ الأنْصَاري في كتاب «ذم الكلام».
وعنه أيضًا(100/2): كل حديث جاء من العِرَاق, وليسَ له أصل في الحجاز, فلا يُقبل وإن كان صحيحًا, ما أُريد إلاَّ نصيحتك.
وقال مِسْعر: قلتُ لحبيب بن أبي ثابت: أيُّما أعلم بالسُّنة, أهل الحجاز, أم أهل العراق؟ فقال: بل أهل الحِجَاز.
وقال الزُّهْري إذا سمعت بالحديث العِرَاقي فأورد به, ثمَّ أورد به.
وقال طاووس: إذا حدَّثك العراقي مئة حديث, فاطرح تسعة وتسعين.
وقال هِشَام بن عُروة: إذَا حدَّثك العِرَاقي بألف حديث, فألق تسع مئة وتسعين وكُن من الباقي في شك.
وقال الزُّهْري: إنَّ في حديث أهل الكُوفة دغلا كثيرًا.
وقال ابن المُبَارك: حديث أهل المدينة أصح, وإسنادهم أقرب.
وقال الخطيب: أصح طُرق السُّنن ما يرويه أهل الحرمين مكَّة والمَدِينة, فإن التَّدليس عنهم قليل, والكذب ووضع الحديث عندهم عزيز.
ولأهل اليمن روايات جيدة وطرق صحيحة, إلاَّ أنَّها قليلة, ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضًا.
ولأهل البَصْرة من السُّنن الثابتة بالأسانيد الواضحة, ما ليسَ لغيرهم مع إكثارهم.
والكُوفيون مثلهم في الكَثْرة, غير أنَّ رواياتهم كثيرة الدَّغل, قليلة السَّلامة مع العلل.
وحديث الشَّاميين أكثره مراسيل ومَقَاطيع, وما اتَّصل منهُ مِمَّا أسندهُ الثِّقات, فإنَّه صالح, والغالبُ عليه ما يتعلق بالمواعظ.
وقال ابن تيمية: اتَّفق أهل العلم بالحديث على أنَّ أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة, ثمَّ أهل البَصْرة ثمَّ أهل الشَّام.
الرَّابع: قال أبو بكر البَرْديجي: أجْمَعَ أهل النَّقل على صِحَّة أحاديث الزُّهْري عن سَالم عن أبيه, وعن سعيد بن المُسيب عن أبي هُرَيْرة من رواية مالك وابن عُيينة ومَعْمر والزُّبيدي ويُونس وعُقيل ما لَمْ يختلفوا, فإذا اختلفوا تُوقف فيه.
قال شيخ الإسلام: وقضية ذلك أن يجري هذا الشَّرط في جميع ما تقدَّم, فيُقال: إنَّما يُوصف بالأصحية حيث لا يكون هناك مانع من اضْطراب أو شذوذ.
فوائد:
الأولى: تقدَّم عن أحمد أنَّه سمع «المُوطأ» من الشَّافعي, وفيه من روايته عن نافع عن ابن عمر العدد الكثير, ولم يتَّصل لنا منه إلاَّ ما تقدم.
قال شيخ الإسلام في أماليه: لعلَّه لم يُحدِّث به, أو حدَّث به وانقطع.
الثانية: جمع الحافظ أبو الفضل العِرَاقي في الأحاديث الَّتي وقعت في «المسند» لأحمد و«الموطأ» بالتراجم الخمسة التي حكاها المُصنِّف, وهي المُطْلقة وبالتراجم الَّتي حَكَاها الحاكم, وهي المُقَيدة, ورتَّبها على أبواب الفِقْهِ وسمَّاها «تقريب الأسَانيد».
قال شيخ الإسْلام: وقد أخْلَى كثيرًا من الأبواب, لكونه لم يجد فيها تلك الشريطة, وفاتهُ أيضًا جُملة من الأحاديث على شرطهِ, لكونهِ تقيَّد بالكِتَابين للغرضِ الَّذي أرادهُ من كون الأحاديث المذكُورة تصير مُتَّصلة الأسانيد مع الاختصار البالغ, قال: ولو قدر أن يتفرَّغ عارف لجمع الأحاديث الواردة بجميع التراجم المذكُورة من غير تقييد بكتاب, ويضم إليها التَّراجم المزيدة عليه, لجَاء كتابًا حافلاً حاويًا لأصح الصَّحيح.
الثالثة: مِمَّا يُنَاسب هذه المَسْألة: أصح الأحاديث المُقيدة, كقولهم: أصح شيء في الباب كذا, وهذا يُوجد في «جامع» الترمذي كثيرًا, وفي «تاريخ» البُخَاري وغيرهما.
وقال المُصنِّف في «الأذكار»: لا يَلْزم من هذه العِبَارة صِحَّة الحديث, فإنَّهم يَقُولون: هذا أصح ما جَاء في البَاب, وإن كانَ ضعيفًا, ومُرادهم أرجحهُ, أو أقلَّه ضعفًا, ذكر ذلكَ عقب قول الدَّارقُطني: أصح شيء في فضائل السور, فضل: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وأصح شيء في فَضَائل الصَّلوات فضل صَلاة التسبيح, ومن ذلك أصح مُسلسل, وسيأتي في نوع المُسلسل.
الرابعة: ذكر الحاكم هُنا, والبَلْقيني في «محاسن الاصْطلاح»: أوهى الأسَانيد مُقَابلة لأصح الأسانيد, وذِكْرهُ في نوع الضَّعيف أليق, وسيأتي إن شاء الله تعالى.
* المصدر: تَدْريبُ الرَّاوِي في شَرْح تَقْريب النَّواوي: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي.

فوائد:
الأولى: قال ابن المُلقَّن: رأيتُ بعض المُتأخرين قال: إنَّ الكِتَابين سواء, فهذا قولٌ ثالث, وحكاهُ الطُّوفي في «شرح الأربعين» ومالَ إليه القُرْطبي.
الثانية: قدَّم المُصنِّف هذه المسألة وأخرَّ مسألة إمكان التصحيح في هذه الأعصار عكس ما صنع ابن الصَّلاح لمناسبة حسنة, وذلك أنَّه لما كان الكلام في الصَّحيح ناسب أن يذكر الأصح فبدأ بأصح الأسانيد, ثمَّ انتقل إلى أخص منه وهو أصح الكتب.
الثَّالثة: ذكر مسلم في مقدمة «صحيحه» أنَّه يقسم الأحاديث ثلاثة أقْسَام: الأوَّل: ما رواه الحُفَّاظ المُتقنون, والثَّاني: ما رواه المستورون والمتوسِطُون في الحفظ والإتقان, والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون, وأنَّه إذا فرغ من القسم الأوَّل أتبعه الثاني, وأمَّا الثالث فلا يعرج عليه.
فاختلف العُلماء في مُراده بذلك:
فقال الحاكم والبَيْهقي: إنَّ المَنِية اخترمت مُسلمًا قبل إخراج الثاني, وأنَّه إنَّما ذكر القسم الأوَّل.
قال القاضي عِيَاض: وهذا مِمَّا قبلهُ الشيوخ والنَّاس من الحاكم, وتابعُوه عليه.
قال: وليس الأمر كذلك, بل ذكر حديث الطَّبقة الأولى, وأتى بأحاديث الثَّانية على طريق المُتَابعة والاستشهاد, أو حيث لم يجد في الباب من حديث الأول شيئا, وأتى بأحاديث طبقة ثالثة, وهم أقوام تكلَّم فيهم أقوام, وزكَّاهم آخرون, ممَّن ضُعِّف, أو اتهم ببدعة, وطرح الرَّابعة كما نصَّ عليه.
قال: والحاكم تأوَّل أنَّ مُراده أن يُفرد لكلِّ طبقة كتابًا, ويأتي بأحاديثها خاصة مُفردة, وليس ذلك مُراده.
قال: وكذلك علَّل الأحاديث الَّتي ذكر أنَّه يأتي بها قد وفَّى بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسَانيد, كالإرسال والإسْنَاد, والزِّيادة والنَّقص, وتصاحيف المُصحفين.
قال: ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سُفيان صاحب مُسلم: أنَّ مسلما أخرج ثلاثة كتب من المسندات, أحدها: هذا الذي قرأهُ على النَّاس, والثاني: يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق وأمثالهما, والثالث: يدخل فيه من الضعفاء, فإنَّ ذلك لا يُطَابق الغرض الَّذي أشَار إليه الحاكم, مِمَّا ذكرهُ مُسلم في صدر كِتَابه.
قال المُصنِّف: وما قالهُ عِيَاض ظاهرٌ جدًّا.
الرَّابعة: قال ابن الصَّلاح: قد عِيبَ على مُسلم رِوَايته في «صحيحه» عن جَمَاعة من الضُعفاء والمُتوسطين الَّذين ليسُوا من شرط الصَّحيح.
وجوابه من وجُوه:
أحدها: أنَّ ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره, ثقة عنده.
والثاني: أنَّ ذلكَ واقع في المُتابعات والشَّواهد, لا في الأصول, فيذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف, ويجعلهُ أصلاً ثمَّ يتبعه بإسناد, أو أسانيد فيها بعض الضُعفاء على وجه التأكيد والمُبَالغة, أو لزيادة فيه تُنبه على فائدة فيما قدَّمه.
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الَّذي اعتدَّ به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط, كأحمد بن عبد الرَّحمن ابن أخي عبد الله بن وهب, اختلط بعد الخمسين ومئتين, بعد خُروج مسلم من مصر.
الرَّابع: أن يعلو بالضعيف إسناده, وهو عنده من رِوَاية الثِّقات نازل, فيقتصر على العالي, ولا يطول بإضافة النازل إليه, مُكتفيًا بمعرفة أهل الشَّأن ذلك, فقد روينا أنَّ أبا زرعة أنكرَ عليه روايته عن أسْبَاط بن نصر وقَطَن وأحمد بن عيسى المِصْري, فقال: إنَّما أدخلتُ من حديثهم ما رواه الثِّقات عن شُيوخهم, إلاَّ أنَّه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع, ويَكُون عندي من رواية أوثق منه بنزُول, فأقتصر على ذلك. ولامه أيضًا على التَّخريج عن سُويد فقال: من أينَ كُنتُ آتي بنسخة حفص عن ميسرة بعلو.
ولَمْ يَسْتوعبَا الصَّحيح ولا الْتَزَماهُ.
[ولم يستوعبا الصَّحيح] في كتابيهما [ولا التزماه] أي: استيعابهُ.
فقد قال البُخَاري: ما أدخلتُ في كتاب «الجامع» إلاَّ مَا صحَّ, وتركتُ من الصِّحَاح مَخَافة الطُّول.
وقال مُسلم: ليسَ كل شيء عندي صحيح وضعتهُ ههنا, إنَّما وضعتُ ما أجمعُوا عليه.
يُريد ما وجد عنده فيها شرائط الصَّحيح المُجْمع عليه, وإنْ لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. قاله ابن الصَّلاح.
ورجَّح المُصنِّف في «شرح مسلم» أنَّ المراد ما لم تختلف الِّثقات فيه في نفس الحديث متنًا وإسنادًا, لا ما لم يختلف في توثيق رُواته.
قال: ودليلُ ذلك أنَّه سُئل عن حديث أبي هُريرة: «فإذَا قَرَأ فأنْصتُوا». هل هو صحيح؟ فقال: عندي هو صحيح. فقيل: لِمَ لَمْ تضعهُ هنا؟ فأجاب بذلك.
قال: ومع هذا فقد اشْتملَ كتابه على أحاديث اختلفوا في متنها أو إسْنَادهَا, وفي ذلكَ ذهول منه عن هذا الشَّرط, أو سبب آخر.
وقال البَلْقيني: أرادَ مُسلم إجماع أربعة, أحمد بن حنبل, وابن معين, وعُثمان بن أبي شَيْبة, وسعيد بن منصور الخُرَاساني.
قال المُصنِّف في «شرح مسلم»: وقد الزمهمَا الدَّارقطني وغيره إخراج أحاديث على شَرْطهما لم يُخرجَاها, وليس بلازم لهما لعدم التزامهما ذلك.
قال: وكذلك قال البيهقي: قد اتفقا على أحاديث من صحيفة همَّام, وانفرد كل واحد منهما بأحاديث منها, مع أنَّ الإسناد واحد.
قال المُصنِّف: لكن إذا كان الحديث الذي تركاهُ أو أحدهما مع صِحَّة إسنادهِ في الظَّاهر أصلاً في بابهِ, ولم يُخرجَا له نظيرًا, ولا ما يقوم مقامهُ فالظَّاهر أنَّهُما ما اطلعا فيه على عِلَّة, ويُحتمل أنَّهُما نَسياهُ أو تَركاهُ خشية الإطالة, أو رأيا أنَّ غيره يَسُد مسده.
قيل: ولَمْ يَفُتْهُما منه إلاَّ القليل, وأُنْكرَ هذا, والصَّواب أنَّه لم يَفُت الأصول الخمسة إلاَّ اليَسِير, أعِنِي «الصَّحيحين» و«سنن» أبي دَاود, والتِّرمذي, والنَّسائي.
[قيل] أي: قال الحافظ أبو عبد الله بن الأخرم: [ولم يَفُتهما منه إلاَّ القليل وأُنكر هذا] لِقَول البُخَاري فيما نقلهُ الحازمي والإسْمَاعيلي: وما تركتُ من الصِّحاح أكثر.
قال ابن الصَّلاح: و«المستدرك» للحاكم كتابٌ كبير يَشْتمل مِمَّا فاتهما على شيء كثير, وإن يكن عليه في بعضه مَقَال, فإنَّه يَصْفُو له منه صحيح كثير.
قال المُصنِّف زيادة عليه: [والصَّواب أنَّه لم يَفُت الأصول الخَمْسة إلاَّ اليسير, أعني «الصَّحيحين» و«سنن» أبي داود, والتِّرمذي, والنَّسائي].
قال العِرَاقيُّ: في هذا الكلام نظر, لقول البُخَاري: أحفظُ مئة ألف حديث صحيح, ومئتي ألف حديث غير صحيح.
قال: ولعلَّ البُخَاري أراد بالأحاديث المُكرَّرة الأسانيد والموقُوفات, فربَّما عدَّ الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين.
زاد ابن جماعة في «المنهل الرَّوي»: أو أراد المُبَالغة في الكثرة. قال: والأوَّل أولى.
قيل: ويُؤيد أنَّ هذا هو المُراد أنَّ الأحاديث الصِّحاح التي بين أظهرنا, بل وغير الصِّحاح لو تتبعت من المَسَانيد والجَوَامع والسُّنن والأجزاء وغيرها, لمَا بلغت مئة ألف بلا تكرار, بل ولا خمسين ألفًا, ويبعد كل البُعْد أن يكون رَجُل واحد حفظَ ما فات الأمَّة جميعه, فإنَّه إنَّما حفظه من أصُول مشايخه وهي موجودة.
وقال ابن الجَوْزي: حصر الأحاديث يبعد إمكانه, غير أنَّ جماعة بالغُوا في تتبعها وحصرها.
قال الإمام أحمد: صحَّ سبع مئة ألف وكسر.
وقال: جمعتُ في «المُسند» أحاديث انتخبتها من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفًا.
قال شيخ الإسْلام: ولقد كان استيعاب الأحاديث سَهْلاً, لو أرادَ الله تعالى ذلك, بأن يجمع الأوَّل منهم ما وصلَ إليه, ثمَّ يذكر من بعده ما اطَّلع عليه مِمَّا فاتهُ من حديث مُستقل, أو زيادة في الأحاديث الَّتي ذكرهَا, فيَكُون كالدَّليل عليه, وكذَا من بعده فلا يَمْضي كثير من الزَّمان إلاَّ وقد استوعبت, وصارت كالمُصنف الواحد, ولعمري لقد كان هذا في غاية الحُسْن.
قلت: قد صنعَ المتأخِّرون ما يقرب من ذلك, فجمعَ بعض المُحدِّثين عمَّن كان في عصر شيخ الإسلام «زوائد سنن ابن ماجه» على الأصول الخمسة.
وجمع الحافط أبو الحسن الهيثمي «زوائد مسند» أحمد على الكتب الستة المذكورة في مجلدين, و«زوائد مسند البزَّار» في مجلد ضخم, و«زوائد معجم الطَّبراني الكبير» في ثلاثة, و«زوائد المُعجمين» الأوسط والصَّغير في مجلدين, و«زوائد أبي يَعْلى» في مجلد, ثمَّ جمع هذه الزوائد كلها محذوف الأسَانيد, وتكلَّم على الأحاديث, ويوجد فيها صحيح كثير, وجمع «زوائد الحِلْية» لأبي نعيم في مجلد ضخم, و«زوائد فوائد تمَّام» وغير ذلك.
وجمع شيخ الإسلام زوائد مسانيد إسحاق, وابن أبي عُمر, ومُسَدَّد, وابن أبي شيبة, والحُميدي, وعبد بن حُميد, وأحمد بن مَنِيع, والطَّيالسي في مجلدين و«زوائد مسند الفردوس» في مجلد.
وجمع صاحبنا الشَّيخ زين الدِّين قاسم الحنفي «زوائد سُنن الدَّارقطني» في مجلد.
وجمعتُ «زوائد شُعب الإيمان» للبيهقي في مجلد, وكُتب الحديث الموجودة سواها كثيرة جدَّا, وفيها الزَّوائد بكثرة فبلوغها العدد السَّابق لا يبعد والله أعلم.
* المصدر: تَدْريبُ الرَّاوِي في شَرْح تَقْريب النَّواوي: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي.
eyad معجب بهذا.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-24-2018, 11:15 PM
الصورة الرمزية eyad

.::مـراقـــب قســم::.

 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
الدولة: مصر
المشاركات: 28
معدل تقييم المستوى: 0
eyad يقترب من الشهرة
افتراضي

بارك الله فيك

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-25-2018, 01:06 PM
الصورة الرمزية ابن الوليد

.:: ادارة المنتدي ::.

 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
الدولة: مصر
المشاركات: 1,556
معدل تقييم المستوى: 10
ابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud ofابن الوليد has much to be proud of
إرسال رسالة عبر MSN إلى ابن الوليد إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابن الوليد إرسال رسالة عبر Skype إلى ابن الوليد
Thumbs up

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة eyad مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك
شكرا للمرور الكريم
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


 

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 05:24 PM

نبذة عن المنتدى

روابط مفيدة

إعلانات نصية

 

منتديات روكشا لتقنية المعلومات تقدم كل ما هو جديد ومفيد في عالم البرامج سواء جاهزة أو طرق وشروحات برمجة وتصميم وسوف تجدون أقسام عديدة ومختصة لكل ما تبحث عنه

 


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019,